ابن الجوزي
405
صيد الخاطر
من ثمّ أحد ! ونسوا أن الوجود ما انتهى بعد ولو حلفت لصار الايمان بالغيب عيانا ولا يصلح أن يدل على الاحياء بالاحياء . ثم نظر إبليس فرأى في المسلمين قوما فيهم فطنة فأراهم أن الوقوف على ظواهر الشريعة حالة يشاركهم فيها العوام . فحسن لهم علوم الكلام وصاروا يحتجون بقول بقراط وجالينوس وفيثاغورس « 1 » ، وهؤلاء ليسوا بمتشرعين ولا تبعوا نبينا صلّى اللّه عليه وسلم . إنما قالوا بمقتضى ما سولت لهم أنفسهم . وقد كان السلف إذا نشأ لأحدهم ولد شغله بحفظ القرآن وسماع الحديث ، فيثبت الايمان في قلبه . فقد توانى الناس عن هذا فصار الولد الفطن يتشاغل بعلوم الأوائل « 2 » وينبذ أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . ويقول أخبار آحاد . وأصحاب الحديث عندهم يسمون حشوية « 3 » . ويعتقد هؤلاء ان العلم الدقيق علم الطفرة والهيولى والجزء الذي لا يتجزأ ، ثم يتصاعدون إلى الكلام في صفات الخالق ، فيدفعون ما صح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بواقعاتهم ، فيقول المعتزلة إن اللّه لا يرى لأن المرئيّ يكون في جهة ، ويخالفون قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : انكم ترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته « 4 » . فأوجب هذا الحديث إيثار رؤيته وان عجزنا عن فهم كيفيتها . وقد عزل هؤلاء الأغبياء عن التشاغل بالقرآن ، وقالوا : مخلوق ، فزالت حرمته من القلوب . وعن السنة قالوا : أخبار آحاد . وانما مذاهبهم السرقة من بقراط وجالينوس .
--> ( 1 ) كاحتجاج شباب اليوم بديكارت ودارون وبركسون ، يردون الحق أن جاء على لسان شيخ أو فقيه ، ويقبلون الباطل ان جاء على لسان مستر أو مسيو . ( 2 ) وربما عمد الأب المسلم في أيامنا إلى تسليم ولده أو بنته إلى الرهبان والراهبات . ( 3 ) الحشوية في اصطلاح علمائنا الذين يقفون في العقائد عند ظواهر الأدلة فيشبهون ويقولون إن اللّه في السماء حقيقة وان له يد حقيقية وأمثال هذا مما يكثر المؤلف الرد عليه هنا وفي كتابه « دفع شبهة التشبيه » اما أن يقال لأهل الحديث جميعا « حشوية » فمعاذ اللّه ، ولولا أهل الحديث ما حفظ الدين ، ولا نقلت السنة ، ولا عرف حلال من حرام . ( 4 ) الحديث أولا حديث آحاد ، يعمل بمثله بغلبة الظن ولكن لا يفيد العلم ولا تثبت بمثله عقيدة لأنه لا يقطع بأنه صلى اللّه عليه وسلم قاله ، واللّه لا يرى مثل رؤيتنا هذه لأن الرؤية ارتسام صورة الجسم على شبكة العين واللّه ليس بجسم ، أما ان كانت الرؤية على شكل آخر ، وهذا هو المراد ان صح الحديث « لأن أمور الآخرة لا تقاس على أمور الدنيا » فلا ننازع فيه ، ونؤمن به من غير بحث عن كيفيته وحقيقته .